الخبر المصري الخبر المصري
recent

آخر الأخبار

recent
recent
جاري التحميل ...

الرمزية في رواية التفاحة والجمجمة


بقلم: أحمد أبوسيف

الرواية فن بديع؛ لذا لم يكن من الصعب أن يطلق على هذا العصر، عصر الرواية؛ ذلك لما تستطيع الرواية دون غيرها أن تعبر عنه.. وأنها كذلك تستطيع أن تعبر بشكل جاد أوهزلي وساخر وحديثنا عن رواية ساخرة ألا وهي رواية "التفاحة والجمجمة" وهذا يستوجب الوقوف على عدة أمور أهمها كاتب هذا العمل وهو الروائي والكاتب الساخر محمد عفيفي, فمحمد عفيفي أحد رواد الأدب الساخر.. هذه السخرية التي قولب الكاتب فيها أفكاره النقدية والفلسفية ولا غرو فقد قال عنه نجيب محفوظ " "كانت السخرية محور حياة محمد عفيفي، ينبض بها قلبه، ويفكر بها عقله، وتتحرك فيها إرادته. فهي ليست بالثوب الذي يرتديه عندما يمسك القلم، وينزعه إذا خاض الحياة. ولكنها جلده ولحمه ودمه وأسلوبه عند الجد والهزل، ولدى السرور والحنان".. هذه الكتابة التي جعلت القراء يتجمعون حول أدبه ومن أهم أعماله الرواية التي نحن بصددها اليوم وهي رواية التفاحة والجمجمة.

تدور أحداث الرواية حول خمسة أشخاص وهم حسب ظهورهم في الرواية؛ (أحمد, وزازا وتوتو والحاج طلبة, وكرشة) فتبدأ أحداث الرواية عند غرق السفينة التي كانت تقل عدد من الركاب, ثم يصل الأشخاص الخمس السالف ذكرهم إلى جزيرة صغيرة, ثم تبدأ حلقة من الصراعات أولها محاولات لفرض السيطرة والزعامة لقيادة الجزيرة والزواج من زازا, الأمر الذي يجعل الحاج طلبة يلوح بسلاحه (المسدس), وتوتو يلوح (بالخنجر).. ثم أحمد يلوح بسلاحه (العلم), في محاولة لفرض السيطرة على الأخرين هذه السيطرة التى لا تتأتى في الغالب إلى لمن يحمل (المسدس), ثم القوة الغاشمة.. كل هذا وهم جميعا يفكرون في طريقة مثلى للخروج من هذه الجزيرة.. مرورا بمحاولة قتل كرشة لتوتو في بداية الأمر ثم محاولة قتله لأحمد, ثم مقتله على يد الحج طلبه بعد أن خرج عن طوعه وخانه مع زازا, وصولا إلى محاولة قتل توتو للحج طلبة ثم أحمد ومحاولة قتل أحمد لتوتو, ثم نجاحهم في الخروج من الجزيرة بعد صنع قارب من جذع شجرة كان على الشاطئ.. هذا القارب الذي فشل بالخروج بهم أكثر من مرة.. ثم نجح أحمد في اكتشاف آليه للخروج من الجزيرة.. كل هذه الأحداث المتشابكة والمتلاحقة تثير في حفيظة المتلقي عددا من الأسئلة أهمها: هل فعلا هدف هذه الرواية الوحيد هو السخرية؟
الإجابة بالطبع لا.

فمن يقرأ هذه الرواية منذ غلافها الأول يعي أن ثمة دلالات ورموز لا يمكن تجاهلها داخل هذا العمل.. بداية من العنوان والغلاف واستمرارا مع الأحداث ووصولا إلى النهاية.. وفي العبارات القليلة القادمة سأحاول الوقوف على هذه الرموز الروائية, ولا أدعي أن هذا هو التأويل الوحيد أو الصحيح لهذه الرموز.. ولكنه الاجتهاد ليس إلا.

فالغلاف يتكون من أربعة ألوان متداخلة.. اللون السائد هو اللون الأسود ويتداخل معه اللون الأبيض الرفيع كتب به اسم الروائي واسم الرواية.. هذا السواد يشي بعكس ما كتب على ظهر الغلاف، من أن هذه الرواية من النوع الفكاهي.. إذ لم يعتد الناس استخدام الأسود للضحك، وإنما الأسود دائما ينذر بالحزن والألم.. بالإضافة إلى اللون الأحمر القاني الذي تلونت به التفاحة.. والتفاحة رمز الحياة ولا غرابة في استكشاف الرمز دون القراءة إذ هي الشجرة المذكورة التى أكل منها آدم فهبط من الجنة, واللون الأصفر وهو لون الجمجمة التى ترمز إلى الموت, وهذا هو عنوان الرواية.. قبل أن نغادر الغلاف إلى العنوان نقف مع الغلاف الخلفي الذي دون على نصفه باللون الأسود على خلفية بيضاء, نبذة عن طبيعة الرواية مثل:"هذه رواية فكاهية, وهي أول رواية فكاهية كاملة باللغة العربية, لا تستهدف الاضحاك, بل تطويع الفكاهة لنقل فكرة جادة, يلعب الخيال فيها دورا, لغتها فصحى وحوارها بالعامية" ثم ختمت بدار القلم عام 1966م.
من العبارات السابقة يمكننا امتلاك مفاتيح الرواية, بل وقراءتها بشكل هادئ يتيح لنا اعتبار الرمز والدلالة نصب عينينا, إذ لا يمكن تجاهل عبارة مثل "لا تستهدف الاضحاك", بالرغم من كونها فكاهية – على حد وصف الدار لها - , لا يمكن كذلك تجاهل عبارة أول رواية فكاهية باللغة العربية, الأمر يحتاج إلى بحث وتحري ولا يمكن قبوله لأول وهلة, أما عن اللغة الفصحى والحوار العامي فقد جاءت هذه العبارة لتمهد للقاريء طبيعة العمل الذي سيقرأه, وهنا يمكننا أن نتتقل إلى العنوان.

   عنوان الرواية التفاحة والجمجمة (الحياة والموت), هذه دلالة لا تخفى على أحد, إلا أننا نجد الكاتب يقدم لنا العنوان مع الفصول الأولى فالتفاحة هي الشجرة المثمرة الوحيدة على الجزيرة التي استقروا عليها, أما الجمجمة هى لشخص عاش هنا قبلهم, وهنا رمزية دالة بأن الأرض التي نحيا عليها هي عبارة عن أنقاض لأناس عاشوا قبلنا, وهي إشارة للموت الموجود دائما كي تستمر الحياة على الأرض, المعنى العام للاسم يتلخص في العبارة سالفة الذكر (الحياة والموت).
  ومادامت التفاحة هي الحياة, فالجزيرة هي الأرض التى نحيا عليها, فهي على اتساعها محدودة وعلى اختلاف تضاريسها مكشوفة وكاشفة, وزمن الرواية فائق السرعة هو حياتنا, التي تهرب منا سريعا ولا نستطيع حتى عد الأيام أو السنين التي تمر بين أيدينا, والأشخاص هم البشر من حولنا فكل شخص منهم له طائفة يمثلها؛ فزازا هي المرأة أصل الشرور والعطف, هي سبب المشكلات وهي علاجها, انظر إلى فعل زازا وهي تجعلهم يحاربون بعضهم بعضا ثم تضمد هذه الجروح لقد فعلت هذا مرارا وتكرارا, حتى أنها مزقت ثوبها في أكثر من مرة كي تضمد جرح من كانت السبب في جرحه, أما أحمد فهو نموذج للإنسان المتعلم الذي يعيش في عصر القوة, العلم يمنعه من استعمال القوة وفي الوقت نفسه يسمح له بمعرفة أن من حوله أقوياء بطريقة مخيفة, تجعله يرتبك ويخاف ويرتعد, ولا يملك إلا أن يلوح بهلاكهم من دونه, محبوب لأنه وديع ومكروه لأنه ضعيف, يستطيع أن يرى العالم من حوله ويكتشف خباياه ويتفلسف عليه, ولكنه في النهاية هو الخلاص, لقد اختار الكاتب أحمد كي يقص لنا الحكاية ليخبرنا أن العلم وحده هو القادر على الخلود.
الأدب والهندسة والمعارف العامة هي التي يجب أن تقود, مهما امتلأ المجتمع بالتجار والعمال وأصحاب الحرف بل والفنون لا يمكن البقاء ولا النجاة إلا بالعلم, والعلم وحده, وزيادة في التصوير الدقيق, يختم الروائي روايته على أحمد الذي يرتعد من الظلام الدامس الذي يحوطه من كل جانب, حين يرى المستقبل في حين نام الحاج طلبه وتوتو, وظلت زازا تفكر في أمر غير هام كاختيار اسم لابنها القادم.
العلم هو أداة صنع المركب, العلم هو طريقة تحريك المركب والعلم هو رؤية المستقبل مهما كان مظلما أو مخيفا.
أما زازا فهي الفن والسحر وسر الحياة وكلما أوغلت في شخصية زازا اكتشفت العجب, فهي فتاة حسناء لا تحب القيود تعشق الحرية وتعشق الحياة وتعشق الرجال, فأحبت توتو الذي لم يكن هناك سبب واحد لمحبته منذ البداية غير عضلاته المفتولة, وأحبت الحج طلبة ذلك الرجل الثري صاحب النفوذ والقوة, وأحبت أحمد المهندس صاحب العلم والذوق والأدب, حتى أنها لم ترفض كرشه الذى أقنصها عنوة رغم أنف الجميع, هذا رمز للحياة التى يحياها الناس فيحبوها فتهلكهم, ولا يعيشون في سلام متحابين إلا إذا قرروا أن لا يروها أو أن يتروكوها في أيدي غيرهم دون الطمع فيها, زازا هي القوة الناعمة الممثلة الفاتنة والتى تحيا بالطول والعرض كأن الكاتب أراد أن يقول لا دخل للفنون بعادات الناس وتقاليدهم فله قانونه الخاص والذي يمعن في حب الحياة والناس على اختلاف أشكالهم وألوانهم.
أما عن الحاج طلبة: فهو رأس المال وأصحاب الوجاهات الذين لا يرون الناس إلا عبد أموالهم, يتخيلون أنهم يملكون الدنيا بالمال ويسخرون كل شيء حولهم بالمال, وليس أدل على ذلك من أنه طلب من أحمد صنع المركب بالمال, وطلب من توتو الصيد نظير المال, كما أنه هو الوحيد الذي كان يمتلك مسدسا وهو الوحيد الذي وصل الجزيرة على ظهر لوح لم يعوم مثلهم, كل هذه الدلالات تشي بأن هناك من يعيش حياته كلها كي ينعم هؤلاء بالراحة والسكينة ويكون مصدر راحة وقوة في الوقت نفسه, وهذا ما فعله كرشه.
توتو: توتو شخص لا يفهم كلام من حوله, لا يتكلم مثلهم لكنه يحب الحياة (يحب زازا), توتو يصطاد السمك كي يأكل الجميع (توتو هو العوام الذين لا يستطيعون التمعن في الحياة ولا في فلاسفتها, لأنهم دائما منشغلون بالعمل والإنتاج), لا يهمهم حياة الأخرين ما دامت حياتهم تسير وفق ما اعتادوا لا يطمحون للسلطة وإذا طمحوا دائما ما تهرب منهم أو يصبهم أذى جراء هذا الطموح, توتو عرضه لكل مكيدة وكل صراع رغم أنه ليس طرفا ولكنه يبقى دائما مصدر من مصادر الطمأنينة في الحياة.
كرشة: هو أداة المال والسلطة معا, منذ أن حل على الجزيرة وهو لا يصنع شيئا غير الدفاع عن الحج طلبة, أو التحكم في تصرفات الناس, فها هو يكاد يقتل توتو في الفصول الأولى للرواية لأنه دنى من زازا وقبلها, ثم هو يضرب أحمد لأنه رفع صوته على الحج طلبة, ثم عندما قرر أن يخرج من طوع الحج طلبة أضرم الحج طلبة فيه النار, كأنه يعرف أن لن يستطيع العيش وهذا الكرشة مضاد له, وهكذا لدى كرشه نزوع للسلطة نظرا للقوة التي يملكها.
الرواية في المجمل ممتعة وتتحدث عن أفكار كبيرة في أثواب صغيرة بسيطة وهنا تكمن قوة الرواية, ولا نستطيع أن نجزم بأن هذه هي كل رموز الرواية, وعلى القارئ استكشاف المزيد من خلال قراءته.

عن الكاتب

alkhabralmasry 6

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

الخبر المصري