JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

recent
عاجل
الصفحة الرئيسية

الدكتور محمد حسين الضاهر يكتب : حين تنحرف السلطة: جرائم الإدارة العامة بين حماية المصلحة العامة واستغلال النفوذ

 

الدكتور محمد حسين الضاهر يكتب : حين تنحرف السلطة: جرائم الإدارة العامة بين حماية المصلحة العامة واستغلال النفوذ



تستند الإدارة العامة في جوهرها إلى خدمة المصلحة العامة، لا إلى تحقيق مصالح الموظف أو فئة معينة؛ وعليه فإن انحراف الموظف العام في استعمال سلطاته قد يتجاوز كونه مجرد مخالفة إدارية ليشكّل جريمة جنائية، متى استغل وظيفته أو صفته (إذ يُعد المكلف بخدمة عامة في حكم الموظف العام) في الحصول على رشوة، أو في التربح والاتجار بالوظيفة العامة، أو في اختلاس المال العام بنية تملكه أو الاستيلاء عليه، أو في الإضرار بالمصلحة العامة المحمية دستوريًا وقانونيًا، أو في تزوير المحررات الرسمية الصادرة عن الجهات الحكومية بما يُهدر حجيتها ويُفقد الثقة فيها، أو في تقديم معلومات غير صحيحة إلى السلطة المختصة تؤدي إلى إصدار قرارات خاطئة تضر بالمصلحة العامة.

وتشمل هذه الجرائم على وجه الخصوص: الرشوة، والتربح، والاختلاس، والاستيلاء على المال العام، والإضرار بالمصلحة العامة، والتزوير، واستغلال النفوذ، وهي موزعة في التشريع المصري بين قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937 وتعديلاته، والقوانين المنظمة للوظيفة العامة، وقوانين مكافحة الفساد.

والسلطة الإدارية مقيدة بمبادئ المشروعية والحياد والمساواة وتحقيق الصالح العام؛ لذلك يلتزم الموظف العام بأداء عمله بأمانة وتجرد، واحترام القانون، والمحافظة على المال العام، وعدم استغلال وظيفته لتحقيق منفعة خاصة، وقد يشكّل الإخلال بهذه الالتزامات مخالفة تأديبية، وقد يرقى إلى جريمة جنائية متى توافرت أركانها.


ويثور هنا السؤال متي يكون الموظف او المكلف باداء الخدمة منحرفاً بسلطته الوظيفية:


الاجابة تكمن في ان تنحرف السلطة عندما تُستخدم الصلاحية لتحقيق غرض غير الذي حدده القانون، كالإضرار بشخص، أو تفضيل آخر، أو الحصول على مقابل، أو حماية مصلحة خاصة، ومن صور ذلك:

• تعطيل خدمة عامة دون سند.

• التمييز بين المواطنين.

• التلاعب في المناقصات والمزايدات.

• إفشاء المعلومات السرية.

• إصدار قرار لمصلحة قريب أو شريك أو ممن تربطه به صلة.

• استعمال النفوذ للتأثير في موظف أو جهة أخرى.

ولا يكفي فحص الشكل الخارجي للقرار، بل يجب بحث الغرض الحقيقي منه والظروف المحيطة بإصداره.


وهو ما يأخذنا الي تحديد صور جرائم الإدارة العامة، التي تكمن في الاتي:


1. الرشوة

تتحقق الرشوة عندما يطلب الموظف أو يقبل أو يأخذ عطية أو منفعة مقابل أداء عمل من أعمال وظيفته، أو الامتناع عنه، أو الإخلال بواجباته، ولا تقتصر الرشوة على المال، فقد تكون هدية أو خدمة أو وعدًا بمنفعة، وهي تخل بالمساواة، وتعطل مصالح المواطنين، وتهز الثقة في القرارات الصادرة عن جهة الإدارة.

2. التربح واستغلال الوظيفة

يتحقق التربح عندما يستغل الموظف سلطات وظيفته للحصول على ربح أو منفعة له أو لغيره، كالتدخل في عقد أو ترخيص أو تخصيص أرض لتحقيق مصلحة شخصية، وقد أكدت الاحكام القضائية أن جوهر الجريمة هو استغلال الوظيفة أو النفوذ لتحقيق ربح غير مشروع.

3. اختلاس المال العام أو الاستيلاء عليه

تقوم هذه الجريمة عندما يعتدي الموظف أو المكلف بخدمة عامة على مال أو أوراق أو أشياء في حيازته بسبب وظيفته، ويتصرف فيها كما لو كان مالكًا لها، وقد نظم قانون العقوبات المصري جرائم اختلاس المال العام والعدوان عليه والغدر، ومن صورها اختلاس الموظف أموالًا أو أوراقًا وجدت في حيازته بسبب وظيفته.

4. الإضرار بالمال العام

قد لا يستولي الموظف على المال العام، لكنه يتخذ قرارًا أو يهمل في أداء واجبه فيلحق ضررًا بأموال الدولة أو مصالح الجهة التي يعمل بها، ولا يكفي وقوع الخسارة وحدها، بل يجب تحديد الفعل أو الامتناع، والواجب الذي أُخل به، والضرر، وعلاقة السببية، ومدى توافر العمد أو الخطأ، كما يجب التمييز بين الخطأ الإداري والجريمة؛ فليس كل قرار خاطئ أو خسارة مالية جريمة جنائية.

5. الغدر وتحصيل مبالغ غير مستحقة

يتعلق الغدر بتحصيل مبالغ أو رسوم غير مستحقة، أو تجاوز المبالغ المقررة قانونًا، أو مطالبة الأفراد بمقابل دون سند، وتكمن خطورته في تحويل سلطة التحصيل إلى وسيلة ضغط على المواطنين، ومخالفة مبدأ المشروعية المالية.

6. التزوير في المحررات الرسمية

يشمل التزوير تغيير بيانات محرر رسمي، أو اصطناع مستند، أو إثبات واقعة غير صحيحة، أو استعمال محرر مزور لتحقيق أثر قانوني، وتزداد خطورته لأنه يهدم الثقة في الوثائق الرسمية التي يعتمد عليها الأفراد والجهات العامة والقضاء.


كما أن استغلال النفوذ لا يخرج من حيث الوصف القانوني عن كونه إما جريمة وإما مخالفة:


والمقصود باستغلال النفوذ: استخدام المكانة أو العلاقات أو السلطة الفعلية للتأثير في قرار أو إجراء إداري، بقصد تحقيق منفعة غير مستحقة، ويختلف عن جريمة الرشوة في أن مرتكب الفعل قد لا يكون مختصًا بالعمل موضوع التأثير، غير أنه يدّعي قدرته على التأثير في الموظف المختص، أو يملك فعليًا وسائل هذا التأثير، وتتحول العلاقات الشخصية إلى مصدر خطر حين تصبح بديلًا عن سيادة القانون، فيغدو الحصول على الحق مرهونًا بالوساطة والمحسوبية بدلًا من استيفاء الشروط القانونية.


فإذا ما تحققت تلك الجرائم من الموظف العام او من في حكمه فيكون مستوجب للمسئولية الجنائية أو التأديبية أو كلهما معاً:


وحيث أن كل إخلال بواجبات الوظيفة لا يمثل جريمة جنائية، فالجريمة لا تقوم إلا بنص قانوني محدد واستيفاء أركانه، بينما تقوم المخالفة التأديبية بمجرد الإخلال بواجبات الوظيفة، فإذا أهمل الموظف في إنجاز معاملة، فقد يسأل تأديبيًا، أما إذا تعمد تعطيلها للحصول على مقابل، فقد يسأل جنائيًا عن الرشوة أو استغلال الوظيفة، بحسب ظروف الواقعة، وقد تجتمع المسؤوليتان في فعل واحد، لأن لكل منهما غاية ونظامًا قانونيًا مستقلًا.


وهو ما يرتب اثاراً هامة تتمثل في:


• إضعاف سيادة القانون.

• تقويض اعمال مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص.

• تعطيل التنمية والمشروعات العامة.

• إضعاف الثقة في مؤسسات الدولة.

• زيادة تكلفة الخدمات والاستثمار.

• تشجيع الوساطة بدلًا من اتباع الإجراءات القانونية.

وقد تتسلسل الجرائم؛ فالرشوة قد تؤدي إلى تزوير مستند، والتزوير إلى الاستيلاء على المال العام، ثم إلى تعطيل الرقابة لكشف الجريمة.


وبيدأن ذلك يمكن الحد منه عن طريق عدة وسائل وقائية بغرض الحماية وهي:


1. تبسيط الإجراءات

تقليل الإجراءات والاتصال المباشر، وإعلان المستندات المطلوبة ومدد الإنجاز، يقلل فرص الابتزاز والوساطة.

2. تفعيل الرقابة الداخلية

ينبغي اكتشاف مخاطر الفساد قبل وقوعه، ومراجعة القرارات المالية والإدارية، ومنع تعارض المصالح.

3. حماية المبلغين والشهود

توفير قنوات آمنة وسرية للإبلاغ، وحماية المبلغ حسن النية من الانتقام، يشجع على كشف الجرائم.

4. التحول الرقمي

يساعد التحول الرقمي على تقليل التعاملات النقدية، وتسجيل مراحل اتخاذ القرار، وتحديد المسؤول عن كل إجراء، غير أن الرقمنة تحتاج إلى حماية للبيانات، وضبط للصلاحيات، ومراجعة مستمرة للأنظمة.

5. تحقيق التوازن بين الردع وضمانات الدفاع

تجب مكافحة الفساد بحزم، مع احترام الشرعية وقرينة البراءة وحقوق الدفاع؛ فحماية المصلحة العامة لا تبرر إهدار ضمانات العدالة.

وعليه نري :

أن العقوبة وحدها لا تكفي ، بل يجب الجمع بين الوقاية والكشف والتحقيق والجزاء، وتستند السياسة المصرية إلى الالتزام الدستوري بمكافحة الفساد وتعزيز النزاهة والشفافية وحماية المال العام.


خاتمة

لا يبدأ انحراف السلطة دائمًا بجريمة كبيرة، فقد يبدأ بتفضيل غير مشروع أو هدية أو وساطة أو التغاضي عن مخالفة، ومع التساهل تتسع دائرة الفساد، وتتحول الوظيفة العامة إلى وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة، وتتطلب المواجهة تعاون المشرع، والجهات الرقابية، والنيابة العامة والادارية والقضاء، والإدارة، والمجتمع، من خلال نصوص واضحة، وإجراءات مبسطة، ورقابة فعالة، ورقمنة آمنة، وثقافة مؤسسية تعتبر السلطة تكليفًا لا تشريفًا.


وقد أطلقت مصر المرحلة الثالثة من الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد للفترة من 2023 إلى 2030، استمرارًا للمراحل السابقة التي استهدفت تعزيز النزاهة والشفافية وتطوير الجهاز الإداري ودعم جهات إنفاذ القانون، والنجاح الحقيقي لهذه الجهود لا يقاس بكثرة النصوص أو عدد القضايا وحده، وإنما بمدى شعور المواطن بأن حقه يصل إليه بالقانون، وأن الوظيفة العامة وُجدت لخدمته لا لاستغلال حاجته.

الدكتور محمد حسين الضاهر يكتب : حين تنحرف السلطة: جرائم الإدارة العامة بين حماية المصلحة العامة واستغلال النفوذ

alkhabralmasry7

تعليقات
    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة