أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مُنَظَّمًا أساسيًا في حياة الأفراد؛ إذ تُستخدم كمجالات لعرض الآراء، وتوثيق الأحداث، وتصوير الجرائم نفسها في بعض الأحيان، وهذا التحوّل الرقمي فتح بابًا واسعًا أمام النيابة والمحاكم لاستخدام ما يُنشر على هذه المنصات كأدلة في القضايا الجنائية، ما دعا إلى إعادة صياغة الفهم التقليدي لمبدأ الإثبات، وطرح تساؤل جوهري: هل تُعتبر الأدلة المستخرجة من فيسبوك، وواتساب، وتويتر، وإنستغرام، وغيرها من المنصات دلائل قانونية حجية في الإجراءات الجنائية؟
ماهية الأدلة المستخرجة من منصات التواصل
تُعد الأدلة المستخرجة من منصات التواصل الاجتماعي شكلًا من أشكال الدليل الرقمي، وتتضمن على سبيل المثال لا الحصر:
• منشورات أو تعليقات تُقر بجريمة أو تُثبت نية مجرمة.
• صور ومقاطع فيديو تُصور مواقف إجرامية أو تُثبت وقوع الجريمة.
• محادثات خاصة عبر الواتساب أو غيره قد تُكشف عن اتفاقات إجرامية أو تهديدات.
وهذه الأدلة تمتاز بسهولة التلاعب بها، وبسرعة اختفائها أو التعديل عليها، ما يفرض ضرورة إخضاعها لضوابط قانونية وفنية صارمة قبل قبولها.
الأساس القانوني لقبول الأدلة الرقمية
تُنظم التشريعات الجنائية الحديثة، خاصة في مجال جرائم تقنية المعلومات، حجية الأدلة الرقمية بصفة عامة، بما فيها ما يُستقى من منصات التواصل الاجتماعي. وغالبًا ما يُشترط في القانون:
• أن يكون الدليل قد جُمِّع وفق إجراءات قانونية.
• أن يُثبت مصدر الأدلة وطريقة جمعها وحفظها ونقلها، بما يضمن السلسة المتصلة للأدلة.
وفي القانون المصري، ارتبط تطوير هذا المفهوم باللائحة التنفيذية لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، التي عرّفت شروط وضوابط حجية الأدلة الرقمية في الإثبات الجنائي.
شروط قبول الأدلة من منصات التواصل
حتى تُعتبر الأدلة المستخرجة من منصات التواصل قانونية وحجية في القضايا الجنائية، يُشترط عمومًا:
1. شروط قانونية للحصول على الدليل:
يجب أن يكون جمع البيانات مكفولاً بالقانون، مع منع أي انتهاك لخصوصية الآخرين عبر الاستيلاء غير المشروع على حساباتهم.
2. الأصالة وعدم التزوير
• أن يُثبت أن المنشور أو المحادثة لم يُعدّل أو يُزَوّر، وبأن الصورة أو الفيديو لم يُحوّل أو يُختلق.
• وقد يُستعان بخبراء فنيين لتحليل البيانات وبيان سلامة البيانات الرقمية.
3. الربط بين الدليل والشخص
• أن يُثبت أن الحساب يعود فعلًا للمتهم أو للشاهد، وليس مستخدمًا وهميًا أو مُخترسًا.
• وقد يُستدل على ذلك ببيانات تسجيل الدخول، والهوية الرقمية، وشهادة إدارة المنصة أو ما يُقدمها الخبراء.
4. التوثيق الزمني
• أن يُثبت تاريخ ووقت المنشور أو المحادثة، لأن تبدُّل السياق الزمني قد يُغيّر من معناه وحجية اشتباكه مع باقي وقائع الدعوى.
إشكاليات القبول والطعن في الأدلة
رغم اعتراف القوانين النسبية بأهمية الأدلة الرقمية، إلا أن القضاة كثيرًا ما يواجهون إشكالات في قبولها، منها:
• سهولة التزوير: يمكن حذف أو تعديل المنشورات، أو تغيير الحسابات، ما يفتح باب الطعن في صحة الدليل ومن ثم في قرار القبول.
• الباب الخلفي للخصوصية: تضارب مبدأ حماية الحياة الخاصة للفرد مع حاجة الدولة إلى مكافحة الجرائم، خاصة الإلكترونية.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين الجريمة الحقيقية والتعبير الحر عن الرأي، وتطبيق الضوابط الدستورية لحريات الرأي والاعتقاد عند قبول الأدلة من منصات التواصل.
موقف القضاء والكتب الفقهية
تؤكّد بعض الدراسات والقرارات القضائية المعاصرة أن النبذات والمحتوى الإلكتروني يمكن أن تُكرّس كأدلة جنائية إذا استُوفيت الشروط السابقة، وأن القضاة لا يُلزمون الآن بالاعتماد على الأدلة المادية فقط، بل يمكنهم الاستناد إلى الأدلة الرقمية متى تحققت حجيتها.
كما أشارت أبحاث فقهية إلى أن منصات التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد فضاءً اجتماعيًا، بل أصبحت مجالًا جنائيًا يُمكن أن يُكتب فيه الجريمة ويُوثَّق، ما يفرض على المشرع والقضاء مواكبة التطور الرقمي وصياغة قواعد واضحة لاستخدامه في الإثبات.
توصيات عملية
• ضرورة تطوير نصوص قانونية واضحة في قانون الإثبات وقانون الإجراءات الجنائية تحدد أنواع الأدلة الرقمية المقبولة (بما في ذلك منصات التواصل) وشروط قبولها.
• تدريب القضاة والمحامين والنيابة على أسس تحليل الأدلة الرقمية وفهم طبيعتها التقنية.
• وضع معايير موحدة لجمع وحفظ الأدلة من منصات التواصل (مثل التوثيق الفوري، وحفظ البيانات الأصلية، واعتماد الخبرة الفنية).
• التأكيد على أن التوصل إلى الأدلة لا يُبرر التعسف في مخالفة حقوق الخصوصية، وأن يُنضَّم العمل إلى ضوابط دستورية وقانونية صارمة.
خاتمة
تُعد الأدلة المستخرجة من منصات التواصل الاجتماعي ظاهرة حديثة لا تُمكن تجاهلها في القضايا الجنائية، لكنّ قبولها يُرهن بتوافر الضوابط القانونية والفنية التي تضمن حجيتها وصدقها، والصياغة القانونية المتزنة لهذا النوع من الأدلة تمثل توازنًا حساسًا بين حماية المجتمع من الجرائم الإلكترونية وبين حماية الخصوصية وحرية التعبير، وهو ما يُعدّ اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام القانوني على مواكبة العصر الرقمي بلا تفريط في الحقوق أو المهادنة مع الجريمة.
