القائمة الرئيسية

الصفحات

كازاخستان تحتفل بيوم الرئيس الأول – نور سلطان نزارباييف

كازاخستان تحتفل بيوم الرئيس الأول – نور سلطان نزارباييف





بقلم: محمد سلامة 



تحتفل كازاخستان في الأول من ديسمبر كل عام "بيوم الرئيس الأول". وتهدف بشكل عام لتكريم الشخصيات التي تركت علامة هامة وتأثيرا كبيرا على مجرى الأحداث التاريخية وتبعاتها.

وتظهر هذه الشخصيات في لحظات تاريخية حاسمة يتحدد فيها مصير الأمة كي تعيد بناء الدولة وتنقلها إلى مسار التنمية المستدامة. ويلزم هنا وعي القائد وإيمانه بارادة الشعب والشجاعة والقدرة على تحديد المسار الصحيح لتطوير الدولة والحزم إلى جانب المرونة الدبلوماسية، في نفس الوقت، لصنع القرارات السياسية فضلا عن الإرادة الحديدية لتنفيذ كل ذلك، وقد توفر ذلك وأكثر في الرئيس الأول نورسلطان نزارباييف. 

وتحتاج اليوم العديد من الدول، التي تمر بإحدى أصعب الفترات في تاريخها، إلى مثل تلك الشخصيات والزعامات التي لها القدرة على حشد الجماهير حولها وتنقل الدولة لمستقبل مشرق. 

ولقد أبرز القرن العشرين عدد من الشخصيات السياسية العظيمة التي أسست دولا جديدة أو أعادت بناء دول أخرى. فتأسيس جمهورية كالهند سيبقى بلا شك مرتبطا في أذهان الناس بأسماء عظيمة كالمهاتما غاندي وجواهر لال نهرو، والجمهورية التركية – بمصطفى كمال أتاتورك. ولم تظهر تلك القامات في أسيا وحسب بل حتى "الديموقراطيات القديمة" لأوروبا وأمريكا قد شهدت في القرن العشرين سياسيين مخضرمين ذي "كاريزما" قوية استطاعوا أن يسطّروا تاريخا جديدا لبلادهم، ونذكر منهم في المقام الأول فرانكلين روزفلت في الولايات المتحدة الأمريكية، و شارل ديجول في فرنسا. ومن الزعماء العرب نستطيع أن ننسب لتلك الشخصيات جمال عبد الناصر والملك عبد العزيز وياسر عرفات وغيرهم.      

ويسطع الآن ضمن هذه الأسماء عن جدارة اسم أول رئيس لجمهورية كازاخستان نور سلطان نزاربايف.

"فظاهرة نزاربايف" فريدة من نوعها، ظهرت عند تقاطع قارتين - أوروبا وآسيا، وبين حضارتين - شرقية وغربية، وبين نظامين سياسيين - الشمولية والديمقراطية. غير أن تلك الظاهرة استطاعت أن تجمع في سياستها اتجاه الإصلاح الأوروبي والبرجماتية مع الالتزام بالعملية الديمقراطية، وفي نفس الوقت الاتجاه التقليدي الآسيوي، الذي يرتكز على أسس ومبادئ المجتمع.

وحتى ندرك الحجم والأهمية التاريخية للتحولات التي قام بها نزاربايف، يجب علينا أن نعود بذاكرتنا لكازاخستان في الفترة الأولى بعد استقلالها. لقد ورثت كازاخستان من الماضي السوفيتي اقتصادا متهالكا، شركات متوقفة عن العمل، زراعة مدمرة، شعبا فقيرا، تفاقم للتهديدات الخارجية جراء انهيار الدولة العظمى الحليفة وظهور بؤر للصراعات حول حدود الدولة. مما أثار توترات اجتماعية وهدد بتصعيد عدم الاستقرار السياسي وتأجيج الصراعات داخل القوميات والأعراق وبين بعضها البعض.      

لقد وجد نزاربايف في نفسه القوة والشجاعة والعزم على تحمل مسئولية مصائر الكازاخ، وكان للعمل المتفاني للرئيس وسياسته بعيدة النظر عظيم الأثر في انتشال كازاخستان الشابة من هاوية الفوضى وتحويلها لدولة عصرية ناجحة.

فقد سمح المسار المبتكر للتنمية الذي اختاره الرئيس بخلق "نموذج كازاخستاني للتسامح بين الأعراق". فكازاخستان التي تتميز بتركيبة سكانها المتنوعة عرقيا وطائفيا أصبحت واحة حقيقية للاستقرار بين جمهوريات رابطة الدول المستقلة عن الاتحاد السوفيتي. ولقد خصصت جامعة هارفارد أحد مؤتمراتها المتخصصة لدراسة "نموذج  نزاربايف". كما أكد الخبراء الأمريكيون على أهمية وفائدة السياسة الكازاخية لتحقيق التوافق بين القوميات والأديان داخل الدولة ودورها في تعزيز التسامح والحوار على الصعيد الدولي.

كما أصبح نور سلطان نزاربايف أول زعيم سياسي في منطقة الاتحاد السوفيتي السابق يختار التخطيط الاستراتيجي كأساس لتنمية الدولة. ففي عام 1997 قدم الرئيس "إستراتيجية التنمية – كازاخستان 2030" وتهدف إلى الدخول ضمن الخمسين دولة الأكثر تطورا في العالم، وقد حدث فعلا بالاصلاحات الاقتصادية غير المسبوقة التي نفذها وتابعها الرئيس الاول نزارباييف. وقد شكلت أساس تلك الإستراتيجية أفكار الاستقلال وحرمة السيادة الوطنية والقدرة التنافسية والتحديث في جميع مجالات الحياة العامة.  ولم تحظ أي دولة من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق في ذلك الوقت بمثل تلك الخطة طويلة الأجل.    

وسمح التنفيذ المتتابع للإستراتيجية طويلة الأجل للجمهورية أن تصبح كازاخستان دولة قادرة على التغلب على التخلف التقني والتكنولوجي، وتحقق أعلى معدلات النمو الاقتصادي والتنمية السياسية للديمقراطية جعلها تحتل مكانة دولية واضحة في المجتمع الدولي.

ولقد ساعدت الإصلاحات الاقتصادية وما يسمى "وسادة الأمان" كازاخستان في الخروج باقتدار من الأزمة المالية العالمية في السنوات الأخيرة، ثم جائحة كورونا في الحفاظ على معدل النمو الاقتصادي في البلاد. كما قامت الأسس والمفاهيم الاقتصادية العامة بالبلاد بإعادة توجيه نفسها تدريجيا لتأخذ مسار "الاقتصاد الأخضر". 

ووفقا لتقييم المنتدى الاقتصادي العالمي عن عام 2015 دخلت كازاخستان بأريحية مجموعة الخمسين التي  تعد الدول الأكثر تنافسية في العالم.

ومنذ استقلالها في عام 1991 ارتفع نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي 16 مرة – من 700 إلى 12000 دولار – وهي نتيجة ممتازة حتى بالمقارنة مع " النمور الأسيوية" -  دول جنوب شرق أسيا الأسرع نموا. ووفقا تقييم المتخصصين البريطانيين، تشغل كازاخستان المرتبة الثالثة بعد الصين وقطر ضمن 25 دولة ذي الاقتصاديات الأكثر ديناميكية في العشر سنوات الأولى من القرن الواحد والعشرين.  

ولقد تم ادخار أكثر من 75 مليار دولار أمريكي في الصندوق القومي أو ما يطلق عليه "صندوق الأجيال القادمة". ومن المخطط أن تصل هذه المدخرات إلى 100 مليار دولار في المستقبل القريب. 

كما تشغل كازاخستان المرتبة التاسعة في العالم من حيث حجم الاحتياطيات المؤكدة من النفط. وتحتل المرتبة الثامنة عالميا من حيث احتياطيات الفحم والمركز الثاني عالميا من احتياطيات اليورانيوم.  وتعد الجمهورية أيضا رائدا عالميا في إنتاج الألمونيوم وتدخل ضمن الدول العشر الكبرى المصدرة للقمح. 

وقد بدأ الرئيس الأول نزارباييف إستراتيجية جديدة "للتحديث الاجتماعي و بناء مجتمع العمل العام" والتي أطلق على خلفيتها برامج حديثة لتطوير المجتمع بكل أبعاده الاجتماعية بما فيها توفير المسكن للسكان على نطاق واسع، وتوفير نظام تعليمي ذي جودة عالية، ونظام صحي متقدم، وغير ذلك من الانجازات.  

وتعمل المؤسسات الديمقراطية بشكل مستمر وفعال: فهناك البرلمان ذو التعددية الحزبية، ومنظمات المجتمع المدني، والمنظمات غير الحكومية إلى جانب النشاط الفعال للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.

ويجب أن نقف هنا على السياسة الخارجية للرئيس الأول نور سلطان نزاربايف. فقد استطاعت أن تثبت على مواقف البرجماتية الحميدة، وتنشأ توازنا عاقلا مع مصالح الدول الكبرى بمنهج غير تصادمي مما حقق أمن الدولة القومي بطرق دبلوماسية. وفي وقت قصير نسبيا تم  تحديد و ترسيم كافة حدود البلاد مع  كل الدول المجاورة.

وقد ركزت كازاخستان في البداية على التعددية وحسن الجوار وعلى أن يكون لها دور دولي نشيط وفعال، مما سمح لها بإقامة شراكات إستراتيجية على أساس تبادل المنفعة مع كل من روسيا والصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوربي وحلف شمال الأطلنطي، وإرساء علاقات شراكة مع العالم الإسلامي ودول أسيا ودول الجوار في أسيا الوسطى. 

وحينما نتطرق للسياسة لخارجية لكازاخستان، لا يجب أن ننسى القرار التاريخي للرئيس نور سلطان نزاربايف بإغلاق أحد أكبر مواقع التجارب النووية في سيميبالاتينسك في 29 أغسطس 1991 . وعلى مدى عقود نشط الرئيس نزاربايف في تشكيل جبهة عالمية نشيطة للوقوف ضد الانتشار النووي ومع نزع السلاح النووي. وكان من بين المبادرات التي طرحها: إعلان الأمم المتحدة يوم  29 أغسطس يوما عالميا للوقوف ضد التجارب النووية، ومشروع "ATOM" الذي يهدف للحصول على تأييد الرأي العام لوقف التجارب النووية بشكل كامل، وإقرار الأمم المتحدة "للوثيقة العامة لعالم بلا سلاح نووي" وغيرها من المبادرات.

 وليس من قبيل الصدفة أن يتوجه الأمين العام للأمم المتحدة الأسبق بان كي مون أثناء زيارته لكازاخستان بالحديث للرئيس نزاربايف قائلا: "عشية عقد قمة نووية عالمية، أنت سيدي الرئيس تمتلك وحدك الحق الأخلاقي في الحديث عن خلق عالم يخلو من السلاح النووي".  

وعلى الرغم من انعدام الثقة في عملية نزع السلاح النووي على الصعيد العالمي، ساهمت مبادرات نزاربايف في إعطاء دفعة جديدة لعملية مناهضة الأسلحة النووية ودفعت المجتمع الدولي لإعادة التفكير في مواقفه.

ومن المبادرات المشهورة والمعترف بها في العالم المبادرة الفريدة للسيد نزاربايف حول مبادرة إنشاء - CICA – "مؤتمر التعاون وتدابير زيادة الثقة في أسيا"، وهي منصات لتعميق الحوار الدولي حول قضايا الأمن في أسيا. واليوم تستعد  CICA لكي تتحول لمنظمة قائمة بذاتها.

وأصبحت العاصمة نورسلطان مقرا لاستضافة وإجراء الاجتماعات التي أصبحت دورية لزعماء الديانات السماوية والديانات غير التقليدية، وهي المبادرة الفريدة التي طرحها زعيم كازاخستان نزاربايف لتوفير حوار بين الديانات الأساسية في العالم، كما أصبحت العاصمة مقرا للمال والاعمال تجتمع فيها كبري البورصات وشركات المال والاستثمار وتضمن الدولة الاستثمارات الاجنبية بقوانين حازمة.

كما نظمت كازاخستان في عام 2010 قمة تاريخية لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا  OSCE وأضافت كازاخستان لمفهوم المنظمة محتوى وبعدا أوروأسيويا جديدا. وفي يونيو 2011 أقيمت القمة اليوبيلية لمنظمة شنغهاي للتعاون برئاسة كازاخستان. وقد ترأست كازاخستان أيضا من يونيو 2011 وحتى نوفمبر 2012 منظمة التعاون الإسلامي، مما جعلها تولي اهتماما كبيرا لقضايا تحديث العالم الإسلامي وتعزيز دور المنظمة على الساحة الدولية.

وفي العام 2017 أصبحت كازاخستان أول دولة نامية تحصل على شرف تنظيم المعرض الدولي المتخصص إكسبو-2017 . وعنوان المعرض "طاقة المستقبل" ويهدف إعطاء دفعة لتطوير "الاقتصاد الأخضر" في العالم.

ولقد مثّل عام 2013  اتجاها جديد في السياسة الخارجية لكازاخستان – فقد حصلت الدولة على وضع مراقب في الاتحاد الأفريقي – وهي منظمة قارية كبيرة في أفريقيا.

وتباشر نورسلطان في الوقت الحالي قرارها بتنفيذ مشروع ضخم تاريخي "طريق الحرير الجديد" والذي سيعيد بدوره إحياء الدور التاريخي لكازاخستان كحلقة وصل أساسية للقارة ويحولها إلى لأكبر مركز للأعمال والترانزيت في المنطقة –  وجسر مميز بين أوروبا وأسيا.

إن البرامج المنفذة والخبرات المتراكمة ستسمح لكازاخستان بالتطلع بثقة إلى المستقبل وفتح أفاق جديدة ووضع أهداف جديدة والسعي لتحقيقها بفعالية، مع المحافظة على ديناميكيتها السريعة ومعدلات تطورها وانطلاقها منذ حصولها على استقلالها قبل 29 عاما.

ومن أجل هذا السبب قدم زعيم الأمة نور سلطان نزاربايف في ديسمبر 2012 لشعب كازاخستان وللمجتمع الدولي "إستراتيجية كازاخستان - 2050 " الجديدة طويلة المدى. والغرض الأساسي لها – أن تصبح كازاخستان ضمن أكثر 30 دولة تطورا في العالم. وهذه فكرة جريئة. فسيتوجب على كازاخستان أن ترتفع في تصنيفها للقمة في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والاستثمار والقدرة التنافسية لتكون في مصاف دول عظمى مثل – أمريكا وبريطانيا وفنلندا ودول الاتحاد الأوروبي.

وأثبتت التجربة في العقود الماضية أن الجمهورية تمتلك كل المقومات لكي تقوم بهذه الطفرة، متمسكة بالطريق الكازاخي الذي رسخ التعايش والتركيز على الفكر الإبداعي والابتكار ودعم الاستقرار واحترام القيم الوطنية.

واليوم بدأت كازاخستان بأفكار زعيمها الأول نورسلطان نزارباييف ورئيسها الحالي قاسم جومارت توقاييف الذي يسير علي نهج الرئيس الاول زعيم الأمة القفز إلى المستقبل الابتكاري حيث يتركز الاهتمام بشكل أكبر على تطوير التعليم والعلوم والثقافة والصحة. وقد بدأ الرئيس توقاييف في تنفيذ الخطة بعيدة المدى التي تهدف للتحديث، وتأسيس الاقتصاد على الصناعة المتطورة باستخدام أحدث التقنيات والتكنولوجيا.  

ان الأمم تبني بأفكار العظماء من الساسة غير التقليديين، واستحق الرئيس الأول نور سلطان نزارباييف ان يكون علي رأسهم، وأن يخلد اسمه في التاريخ وأن يبني أمة من الصفر تنافس أعرق الدول وأكبرها.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات