القائمة الرئيسية

الصفحات

 


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله خالق البشر يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير وأفضل الصلاة والتسليم علي النبي المصطفي الكريم وبعد :    

 فإن الحديث عن قضية تنظيم النسل وتحديده أمر يحتاج إلى فهم وتحليل وتأصيل وضبط خاصة في ظل هذه الظروف التي نعيش فيها حيث تصدر الحديث في دين الله قوم ليسوا أهلا للنظر والاستدلال والفتوي ما بين جاهل بالمفهوم ومتصور خاطئ للقضايا ومستغل حاقد لإثارة الفتن ورمي الدول المسلمة بقلة الديانة وما ذلك إلا لسوء فهمهم وقلة علمهم وقبح منهجهم وفقدانهم العقل والمنطق.    

   

  مما سبق وجب البيان والتأصيل والفهم ومن أبجديات الفهم التصور الصحيح للقضية والوقوف بدقة علي مفهوم المصطلحات فكان ولا بد من الوقوف علي مصطلح تحديد النسل وتنظيمه وقد نقل الامام الشهيد البوطي رحمه الله تعريفا لهذا المصطلح حيث قال : تحديد النسل هو كل ما يتبعه الزوجان من الوسائل والأساليب التي من شأنها أن تحول دون نشوء الحمل كليا أو جزئيا والدين الاسلامي قد تناول مفهوم تحديد النسل في إطار أدق و أشمل فهو لا ينظر إلى التحديد من حيث القلة والكثرة في الذرية بل ينظر إلى الوضع الصحي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والتربوي وهذا هو الأصل الذي دفع الفقهاء جمعاء أن ينظروا في هذه القضية قضية تحديد النسل وتنظيمه وهو جائز شرعا إذ لا توجد أية واحدة تحرم تنظيم النسل ولا حديث ينهي عن تنظيمه بل أقول كما قال الله تعالى(لا يكلف الله نفسا إلا ما ءاتاها) وكتب الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه تنظيم الأسرة وتنظيم النسل (وقد ضاقت الموارد وأصبح ما تنتجه الموارد لا تتكافأ مع زيادة السكان المستمرة بنسبة عالية فلا بد من وقف ذلك النمو المتزايد وذلك بجعل النسل يكون على قدر ما يجيء من الموارد الطبيعية ) وكما قيل بين الناس رحم الله أمرئ عرف قدر نفسه                                                                                 إن تحديد النسل وتنظيمه ليس اعتراضا للقدرة الالهية كما يصور بعض المتشددين لأنه سبحانه إذا أراد شيئا قال له كن فيكون ولكن امتثالا لقوله (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) وما تقتضيه المصلحة الشرعية من الحفاظ علي الدين والنفس والعرض والمال والعقل.

من هذا المنطلق جاء تنظيم النسل وفق قوانيين تحفظ الرخاء والعيشة المرضية لكل الناس الذين يعيشون في مكان واحد ومن هذه القوانيين

1-قانون التوازن والتناسب 

ونحن جميعا نعلم أننا في ظل ضغوط عظيمة يشهدها العالم كله فبسبب تطور العلم والطب والقضاء على كثير من الأمراض قلة نسبة الوفيات وإضافة إلى كثرة الإنجاب العشوائي زاد عدد السكان والمهم هو الجملة القادمة ليس الامر في تطور الطب وزيادة السكان ولكن الأمر في أن الموارد البشرية لم تعد تكفي وتسد تلك القفزة السكانية فجاء تنظيم النسل أحد حلول هذه المشكلة وهذا لا يعارض الدين بل يتفق معه وهذا ما ذهب إليه السادة الفقهاء حتى نصل التوازن بين موارد الأرض وبين عدد السكان الذين يعيشون عليها أقول هنا المراد إذن ليس تقليل عدد السكان بل التحكم في معدل الزيادة وفق لما تمتلكه الدولة من موارد .

2- قانون الحاجة وإذا كنا ندعو إلى تنظيم النسل وتحديده بسبب الزيادة السكانية لعدم توافر الموارد فكذلك إذا كنا نشتكي من قلة السكان ففي هذه الحالة ندعو إلى زيادة النسل وكثرة الانجاب فالأمر يعود إلى الاحتياج

3-قانون الكم والكيف فالعبرة من حيث القلة والكثرة هو إيجاد نسل قوي إذ لا فائدة من كثرة النسل إذا كانت الكثرة ضعيفة جسديا ونفسيا وأخلاقيا وهذا يؤثر على صلاح البيت وقد جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (ولكنكم غثاء كغثاء السيل) يعني كثرة لكنها كثرة ضعيفة لا تنفع نفسها ولا تخدم أوطانها 

كذلك إلي جانب هذه الامور التي تدفعنا إلى تنظيم النسل أمورا أخرى منها الخوف علي صحة الأم وعدم إلحاق الضرر بها من كثرة الإنجاب ؛ منها الخوف من ارتكاب محظور أو حراما بسبب كثرة الأولاد مما قد يجعل الإنسان يمد يده للحرام منها  الخوف من وجود جيل فاسد صحيا دينيا نفسيا اجتماعيا بسبب عدم توافر الفرصة له في التعليم والصحة والمسكن والمأكل والمشرب هذا مما جعل الفقهاء يقولون بجواز استخدام طرق تنظيم الحمل  بشرط ألا يكون مانع الحمل يمنع من الحمل نهائيا وألا يلحق بالمرأة ضرر وهذا يراجع فيه أهل الاختصاص ( أهل الطب )

وختاما أقول مما لا شك فيه أن الهدف المنشود من تنظيم النسل هو إنشاء جيل قوي صاحب فكر سليم وعقيدة صحيحة يكون واعيا غير عشوائي ولا مهزوم يبني ويعمر يعيش في وطنه حياة مرضية مطمئنة. 


 بقلم: عبد الحميد عبد العزيز عثمان 

إمام وخطيب بالأوقاف وباحث بالأزهر الشريف.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات