القائمة الرئيسية

الصفحات

"أحمد" تحدى الصمم وأصبح "بريمو" ميكانيكا: لغة الإشارة شالت الحواجز

 





كتبت:العنود انس عمر.



أدواته معدنية تصدر صوتًا عاليًا، وعالمه صامت هادئ لا يتأثر بالصخب من حوله، يلتقط أنفاسه قبل الدخول لمقر عمله، ليباشر مُهمة رغم مشقتها احترفها وباتت الأقرب لقلبه، ينصب تركيزه على أجزاء فنية داخل السيارة ليصلح العيب بها، لا يقطع خلوته إلا إشارات زملائه في موقع العمل للفت انتباهه، يتحدثون إليه بكلام منطوق أصبح يجيد ترجمته بسهولة متمكنًا من متابعة حركة الشفاة، عُرف بينهم بـ"الشاب النشيط" متسلحا بإرادته، كما لم تحل لغة الإشارة التي يتعامل بها، اندماجه مع من حوله.


سلسلة متشابكة من الصدف الصغيرة التي غير وقوع إحداها قبل الأخرى مجرى حياة "أحمد صالح" كلها، حين كان صغيرا في الثالثة من عمره وقبل أن يشبع من الحياة، فقد سمعه بعد إصابته بارتفاع شديد في الحرارة وتناول دواء خاطئ أثر على عصب السمع، حينها بات لزاما على والدته أن تجيب على سؤال حائر في عينيه، "ليه أنا مش زي إخواتي؟".

إجابتها دوما لم تعطه سوى رد مجزوء، ترتعش الأم للخاطرة وكأنها أودت بالولد إلى مصير مجهول دون قصد: "أهلي حاولوا يدعموني من صغري، أنا الولد الوحيد على بنتين توأم"،




الصغار يكيفون عالمهم سريعا، تعايش أحمد مع إصابته واجتاز سنوات دراسته بنجاح تام، لم يلق بالا إلى تفاصيل صعوبتها شيء ربما كانت سخرية من بعض المشاغبين بالمدرسة مبطنة بكلمات مزاح واستخفاف وتغامز حين يتحدث الصغير، كان عليه أن يتجاهلها دوما مرددا بداخله: "المهم أنجح وأثبت للناس إن الأصم مش عبيط"، بحسب وصفه في حديثه المتلعثم بعض الشئ.

سنوات مرت بما فيها من صعاب، حتى التحق المراهق بدبلوم ثانوي فني بنظام الـ3 سنوات، ليكتسب صنعة يمتهنها ويعتمد بها على نفسه في كسب قوته، اختار ميكانيكا السيارات للتخصص في دراسته، لم تنل إصابته بالصمم من عزيمته وبعد حصوله على شهادة دبلوم الصنايع من مدرسة مديحة قنصوة، بدأ رحلة بحثه عن مكان يدعمه للحصول على وظيفة تناسبه.


قبل عامين، قادته الصدفة لخطوة أحدثت تغييرا في حياته، علم صدفة من أحد مترجمي الإشارة عن تدريب على أعمال الميكانيا بمركز "جوزيف أند أمير" لصيانة السيارات، لفئة الصم والبكم، لمعت الفكرة في عينيه وتشبثت الفكرة في رأسه حتى التحق بالتدريب المقدر لمدة 3 أشهر، وخلالها احترف أمور عدة في عالم ميكانيكا السيارات.

فقدانه للسمع حقيقة ملقاة أمامه على قارعة الطريق كالألغام عليه تجاوزها ببراعة للنجاح، اجتهد كثيرا خلال فترة التدريب حتى جذب إليه أنظار مدربيه وتم تعيينه بمركز صيانة السيارات للعمل به، بعد اجتياز التدريب بنجاح مدعوما بشهادة موثقة من المركز، "أتم التدريب لمدة ثلاثة أشهر على النظري والعملي في الصيانات الدورية والعفشة والمراجعات"، كما هو مدونا بالشهادة.



خطوة جديدة في حياة أحمد راهن الجميع على نجاحه بها، بات مسؤولا عن صيانة أعطال العفشة وصيانة الموتور، واجه صعوبا بعض الشيء في بداية الأمر للتعامل مع الزبائن بلغة الإشارة، سرعان ما تجاوزها باعتياده قراءة حركات الشفايف وترجمتها إلى كلام مفهوم في ذهنه:  "في البداية كان الموضوع صعب مش كل الناس بتعرف لغة الإشارة، واتعودت أترجم حركات الشفايف عشان أعرف أتعامل مع الناس"، ويوما بعد يوم كسب أحمد زبائنه، وبات مشهودا له بالكفاءة وسط مديريه يطور نفسه سريعا ويختزن النصائح بتركيز شديد يسترجعها حين الحاجة إليها في عمله. 



في صباح كل يوم، يستبدل الشاب الأصم ملابسه الأنيقة بقميص وبنطال قديم مُلطخ بشحم يترك أثاره على يديه حين يشرع في ارتدائه، لبدء إصلاح السيارات، تتبدل معه أحلامه البسيطة، جميعها لم يتجاوز حد النجاح في مهنته ومستقبل مستقر خال من العثرات المادية: "زي أي شاب بحلم بمستقبل مستقر وإصابتي بالصمم متأثرش عليا"، بحسب وصفه.





هل اعجبك الموضوع :

تعليقات