الخبر المصري الخبر المصري
recent

آخر الأخبار

recent
recent
جاري التحميل ...

اعتراف بالخيانة


الخبر المصري : أحمد أبوسيف

لم تكن مواجهتي له للمرة الأولى من قبيل العناد.. وإنما كنت قد استنزفت كل طاقتي في أن يحكي بمفرده وفشلت لذا تعمدت أن أسأله عن سبب تلك الحروق التي تملأ وجهه وأجزاء كبيرة من جسمه، وقد استغللت وجودنا بمفردنا هذه الليلة دونما باقي رفاق العمل..
شخص العم خضر ببصره إلى السماء كأولياء الله ثم قال: "هذه حكاية يطول شرحها ولكن قبل أن أبدأ عدني أنك لن تقص ما حدث على أحد منهم مهما حدث، أنا أعرفك جيدا ولكن هذا للتنبيه فالأمر جد خاص".

جال في ذهني خضر ذلك العامل الذي جاء الموقع هنا لأول مرة مع أحد مقاولي الهدم كان صامتا دائما يطرق الخرسانات في تأدة وغل كأنما عدوا ينتظره تحتها، أعجب به المهندس فقرر أن يبقيه في الموقع لحين الانتهاء من العمل ووفر له سكن في الموقع مع مجموعة من العمال الآخرين، وكنت بصفتي مشرفا عليهم أراقبهم عن كثب، وأعرف طبائعهم حتى استطيع التعامل معهم والسيطرة عليهم إذا لزم الأمر، بعد فترة ليست بالوجيزة بدء يجلس معنا ويتدخل في أحاديثنا وحكايات العمال التي لا تنضب، لكنه لم يسرد شيئا عن نفسه من قبل، بل كلما باغته أحد الجالسين وسأله عن حياته أجاب في هدوء "ليس بها شيء يحكى أنا شخص عادي جدا، احترق منزلي بسبب إهمال زوجتي التي كانت تصنع الخبز في الفرن البلدي في دارنا بالقرية وتركته ونامت فاحترق المنزل ونحن بداخله".

وبما أني نشأت ككل هؤلاء العمال في قرية فكانت هذه الرواية منطقية ومقبولة - غير أني لسبب ما لم أصدقها - وأعدت عليه هذا السؤال الليلة تحديدا لأنها ليلة الخميس وقد سافر كل من بالموقع إلى قراهم وبقيت أنا وهو، وليلتنا طويلة وخالية فرأيتها مناسبة لسرد حكاية أوغرت صدره لدرجة أنه نصب العداء لكل من حوله حتى الخرسانات الصماء. جال ذلك كله في ذهني قبل أن أجيبه بكلمة واحدة: "أعدك".

فطأطأ رأسه وأخذ نفسا عميقا حتى أني أشفقت عليه وكدت أطلب منه التوقف لكنه أندفع يقول: "كنت مسؤولا عن مخازن إحدى شركات الشوكولاتة العالمية التي كانت دائما تضع في منتجاتها عملات ذهبية كهدايا للعملاء، وكان أحد المشرفين بالشركة يأتي كل ليلة إلى المخازن ويأمرني بفتح كراتين معينة ويأخذ منها العلب الموجودة بها، ويضع أخرى مكانها ثم ينصرف، مع الوقت أدركت ما كان يفعله، وإنه يقوم بإبدال العلب التي بها عملات ذهبية بعلب فارغة، ويأخذها لنفسه. قلت لزميلي في نوبة الحراسة " نحن أولى بذلك منه"، واتفقنا إنه لو أتى إلى هنا مرة ثانية، فلن يخرج قبل أن نقتسم معه العلب، ولن يستطيع أن يرفض خوفا من إبلاغنا للمدير بما يفعله".
وهل لهذا علاقة بما حدث لك ؟
كونت ثروة مبالغ فيها بالنسبة لي على الأقل من تلك السرقة وبعد فترة أصبح ذلك المشرف نائبا لمدير الشركة.

في ذلك الوقت كنت قد تعرفت على امرأة من قريتنا وتزوجتها بعد أن استأجرت لها شقة هنا بالقاهرة، ومن هنا بدأت حياة أخرى غير التي كنت أعيشها عندما كنت معتمدا على مرتبي فقط وقبل أن ينفتح أمامي باب العملات الذهبية.

وفجأة تغير كل شيء في ليلة حالكة السواد وأنا أغط في نومي شعرت بأن رئتاي تصغران وتصبحان بحجم علبة الكبريت، ورأيتني أدخل في قفصي الصدري وأحاول جذبهما ليعودا لوضعهما الطبيعي، وفي تلك الأثناء فتحت عيني فإذا بألسنة اللهب تتعالى من حولي، وكان من حسن حظي أني من قاطني الدور الأرضي مما أسعفني أن ألقي بنفسي في الشارع بشكل يشبه كثيرا شكل محمد البوعزيزي أيقونة الثورة التونسية. في الشارع كنت بجناحين مفتوحين أركض في كل اتجاه والناس في ذهول والنسوة في الشارع يصرخن في هلع والرجال والشباب يبحثون عن شيء يمكنه إخماد الحريق في الشقة وفي أنا أولا، فقدت الوعي بعد أن سقطت أرضا بعد أن فقدت الإحساس بجلدي ،لقد رأيت الجحيم وأنا حي تلك هي اللحظة لكنها ليست البداية ولا النهاية لمأساتي. لكن يستوجب الأمر لإتمامه كوبا من الشاي لن أتأخر"
تركني يطرق في رأسي معول من نار ومشهد الحريق شاخص أمام ناظري وهو كالطير الذبيح الذي يفارق الحياة ويركض فاردا جناحيه إلى اللاشيء أو بالأحرى إلى الموت، لقد صارع خضر الموت حرقا ولكن إرادة مانعة، منعت موته في ذلك الوقت وأجلته إلى أجل غير مسمى.
عاد خضر فى يديه كوبان من الشاي وجلس ليكمل دون أن ينتظر إذنا مني: "فتحت عيني على سقف غرفة وبها مجموعة من الجيران والأصدقاء طلب كبيرهم أن ينفرد بي، ثم دنى وقال في هدوء "اسمع يا خضر، أنت رجل وتستطيع السيطرة على نفسك وانفعالك إن ما حدث لم يكن حادثا عارضا والفاعل "زوجتك"، لقد رأها الجميع تخرج من الشقة بعد أن أضرمت فيك وفي شقتك النيران، وكان هناك شابا يعرفه كل الجيران في انتظارها وغادرا الموقع سويا"
قالها وانهمر في البكاء حتى لم يستطع السيطرة على نفسه وأخذ يحرك كتفيه كالأطفال، وهو يقول " لقد خانتني مع كلب من كلاب الحارة التي كنا نسكنها كانت تسرق مالي لأجله، في النهاية أتفقا على قتلي حرقا كأني من خان وليسوا هم". ربت على كتفه وأنا أقول لنفسي لماذا نكأت جرحا قد اندمل؟ مالي وماضيه, مالي وماضيه, ثم رفعت رأسي إلى السماء وقولت له في صوت لا يخلو من الشفقة والحنو "هون عليك لقد ذهبت إلى من يشبهها". فرفع رأسه نحوي وقال :"لا عليك، كلنا خائنون".

عن الكاتب

alkhabralmasry 6

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

الخبر المصري