JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

recent
عاجل
الصفحة الرئيسية

الإعلامية بشرى بوجمعة تكتب: حين أصبحت الشاشات تهدم ما عجزت المسافات عن هدمه

 

الإعلامية بشرى بوجمعة تكتب: حين أصبحت الشاشات تهدم ما عجزت المسافات عن هدمه
الإعلامية بشرى بوجمعة مديرة العلاقات الخارجية لصحيفة الخبر المصري



بقلم : الإعلامية بشرى بوجمعة 


 

نعيش زمنًا غريبًا تتسع فيه دوائر التواصل وتضيق فيه مساحات الثقة وتزداد فيه المحادثات بينما تتراجع القدرة على الفهم حتى أصبحنا نعيش مفارقة مؤلمة: نعرف عن بعضنا الكثير من خلال الشاشات لكننا لا نعرف عن بعضنا ما يكفي لنحسن الظن


لم تعد العلاقات تُقاس بصدق المواقف وعمق المشاعر بل أصبحت أحيانًا رهينة رسالة لم يُردّ عليها أو كلمة أُسيء فهمها أو محادثة اختفت منها جملة أو إشعار صغير يقول: «تم حذف هذه الرسالة»... عبارة عابرة قد تتحول إلى باب للشك ومادة للتأويل وذريعة لنسج سيناريوهات لا علاقة لها بالحقيقة.


لقد منحتنا التكنولوجيا قدرة هائلة على التواصل لكنها منحت البعض أيضًا أدوات جديدة لمراقبة الآخرين وتصيد هفواتهم والبحث بين السطور عن أخطاء قد لا تكون موجودة أصلًا أصبح البعض يفتش في الكلمات أكثر مما ينصت إلى المشاعر ويحلل توقيت الرد أكثر مما يتأمل قيمة العلاقة ويحتفظ بالتفاصيل الصغيرة ليستخدمها يومًا في لحظة خلاف وكأن العلاقات الإنسانية محاضر تحقيق لا مساحات آمنة للصدق والعفوية.


المؤلم ليس أن تُحذف رسالة بل أن تُحذف معها مساحة الثقة وأن تتحول العفوية إلى حذر والخصوصية إلى تهمة والصمت إلى دليل إدانة.


صرنا نعيش في زمن يخشى فيه الإنسان أن يكون على طبيعته فيحسب كلماته ويراجع عباراته ويتردد قبل أن يعبّر عن مشاعره ليس لأنه لا يملك ما يقوله بل لأنه لم يعد يضمن كيف سيُفهم كلامه ولا متى سيُستخدم ضده وهكذا تتسلل المجاملة إلى مكان الصراحة ويحل التحفظ محل العفوية وتصبح المسافة النفسية أكبر من أي مسافة جغرافية.


والأشد إيلامًا أن بعض العلاقات لم تعد تنهار بسبب خيانة كبرى أو موقف يستحق الفراق بل بسبب تراكم الشكوك وسوء الظن والتأويلات المتسرعة والرغبة في إثبات الخطأ بدل البحث عن الحقيقة أصبحنا أحيانًا نبحث عمّا يدين الآخرين بدل أن نبحث عمّا يفسر تصرفاتهم ونمنح الاحتمالات السوداء مساحة أكبر من حسن النية.


لسنا ضد التكنولوجيا فهي وسيلة وليست خصمًا لكن المشكلة تبدأ حين نسمح لها بأن تتحكم في مشاعرنا وتعيد تشكيل أحكامنا وتختصر قيمة الإنسان في أثر رقمي أو لقطة شاشة أو عبارة مبتورة من سياقها فليس كل ما يُكتب يعكس حقيقة الشعور وليس كل ما يُحذف يخفي سرًا وليس كل صمت تجاهلًا كما أن ليس كل خطأ دليلًا على سوء النية.


لقد أصبحنا بحاجة إلى إعادة اكتشاف فضيلة نادرة اسمها حسن الظن وإلى فهم أن الثقة لا تُبنى بمراقبة التفاصيل بل بالأمان الذي يجعل الإنسان غير مضطر إلى تبرير كل تفصيل في حياته.


فالعلاقات الناضجة لا تحتاج إلى محققين بل إلى أشخاص يعرفون كيف يسألون قبل أن يحكموا وكيف يناقشون قبل أن يتهموا وكيف يمنحون من يحبونهم فرصة للتوضيح بدل إصدار الأحكام النهائية.


وفي زمن أصبح فيه الاحتفاظ بالأدلة أسهل من الاحتفاظ بالمودة ربما علينا أن نتذكر أن بعض الأشياء لا تعيش تحت المراقبة فالعفوية تموت حين تُحاصَر والمودة تذبل حين تُختبر باستمرار والثقة لا تنمو في بيئة يُعامل فيها كل تصرف بريء بوصفه احتمالًا للخيانة.


فما قيمة أن نملك أحدث وسائل الاتصال إذا كنا نفقد أبسط معاني التواصل؟ وما جدوى أن تبقى الرسائل محفوظة في هواتفنا بينما تضيع المعاني الجميلة من قلوبنا؟


ربما لم يعد ينقصنا مزيد من التواصل بل مزيد من النضج في فهم بعضنا ومزيد من الرحمة في تفسير أخطائنا ومزيد من الحكمة في اختيار المعارك التي تستحق أن نخوضها.

فليس كل ما نعرفه عن الآخرين يستحق أن نحاكمهم به وليس كل ما نراه على الشاشات يمثل الحقيقة كاملة وليس كل علاقة تستحق أن نضعها تحت المجهر حتى نفقد قدرتنا على الاستمتاع بها.

في النهاية أخطر ما يمكن أن تفعله التكنولوجيا بنا ليس أن تُقرّب البعيد بل أن تجعلنا نشك في القريب وأن تحول الأشخاص الذين نطمئن إليهم إلى أشخاص نخشى أمامهم أن نكون على سجيتنا.


وحين يصبح الإنسان مضطرًا إلى الدفاع عن عفويته أكثر مما يعيشها فاعلم أن شيئًا جوهريًا قد اختل في العلاقة بين البشر وأننا بحاجة إلى استعادة إنسانيتنا قبل أن نستعيد ثقتنا ببعضنا.

الإعلامية بشرى بوجمعة تكتب: حين أصبحت الشاشات تهدم ما عجزت المسافات عن هدمه

alkhabralmasry7

تعليقات
    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة