JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

recent
عاجل
Startseite

علا محمد كمال تكتب : « لم نعد نشعر بالأشياء كما كانت وكأن العالم أصبح أسرع من مشاعرنا »


علا محمد كمال تكتب :   « لم نعد نشعر بالأشياء كما كانت  وكأن العالم أصبح أسرع من مشاعرنا »


لم يعد الإنسان اليوم يعيش الأشياء كما كان يفعل من قبل.


لم نعد ننتظر طويلًا، ولا نفرح طويلًا، ولا نحزن طويلًا أيضًا. أصبح كل شيء يحدث بسرعة مذهلة، حتى المشاعر نفسها باتت تمر بنا مرورًا عابرًا، وكأن العالم لم يعد يمنحنا الوقت الكافي لنشعر حقًا.


في الماضي، كانت الأشياء تترك أثرها لفترة أطول. كانت العلاقات تُبنى بهدوء، والذكريات تسكن داخل الإنسان لسنوات، وحتى الحزن كان يأخذ وقته الطبيعي قبل أن يهدأ ويصبح جزءًا من التجربة. أما اليوم، فأصبح كل شيء يبدأ بسرعة، وينتهي بسرعة، ويُستبدل بسرعة أكبر.


نعيش في زمن لا يتوقف عن تقديم الجديد. محتوى جديد كل دقيقة، أخبار جديدة كل ساعة، أشخاص جدد، ترندات لا تنتهي، وحياة تبدو دائمًا وكأنها تتحرك أسرع مما تستطيع مشاعرنا استيعابه. ومع هذا التدفق المستمر، بدأ الإنسان يفقد قدرته على التوقف الحقيقي أمام الأشياء.

حتى المشاعر أصبحت تُستهلك كما تُستهلك باقي التفاصيل اليومية. نفرح للحظات ثم ننتقل إلى ما بعدها، نحزن قليلًا ثم تبتلعنا الأحداث الجديدة، ننبهر سريعًا ثم نفقد اهتمامنا بسرعة أكبر. وكأن عقولنا اعتادت هذا الإيقاع المتسارع إلى درجة لم تعد تحتمل الثبات أو الانتظار أو حتى التأمل.

وربما أخطر ما صنعه هذا العالم السريع أنه جعل الإنسان يشعر بالملل من كل شيء تقريبًا. 


أصبحنا نبحث دائمًا عن الإحساس الأقوى، والصورة الأحدث، والتجربة المختلفة، وكأن الأشياء البسيطة التي كانت تمنحنا السعادة يومًا لم تعد قادرة على جذب انتباهنا كما كانت.


حتى العلاقات الإنسانية لم تسلم من هذا الإيقاع المتسارع. أصبح كثيرون يخشون التعلق الحقيقي، لأن كل شيء حولهم يوحي بأن البدائل لا تنتهي، وأن الاستمرار لم يعد ضرورة كما كان. ومع الوقت، تحولت بعض العلاقات إلى محطات مؤقتة؛ تبدأ بسرعة وتنتهي بالسرعة نفسها، دون أن تترك ذلك الأثر العميق الذي كانت تتركه العلاقات يومًا.


ولهذا ربما يشعر كثير من الناس اليوم بفراغ غريب، رغم ازدحام حياتهم بالأحداث والوجوه والتجارب. فالمشكلة لم تعد في قلة ما نعيشه، بل في أننا لم نعد نمنح أنفسنا الوقت الكافي لنعيشه بصدق.


الحقيقة أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى المزيد، بقدر ما يحتاج أحيانًا إلى التوقف. يحتاج أن يعيش اللحظة دون استعجال، وأن يشعر بالمشاعر دون أن يفكر فورًا فيما بعدها، وأن يمنح الأشياء وقتها الطبيعي قبل أن يركض نحو الشيء التالي.


ربما لم تصبح المشكلة أن العالم تغير فقط، بل أننا اعتدنا السرعة إلى درجة جعلتنا نخشى التوقف.

نخشى الصمت، ونخشى الانتظار، ونخشى البقاء طويلًا مع شعور واحد.


حتى أصبحنا نمر بالحياة أكثر مما نعيشها.. ونشاهد اللحظات أكثر مما نشعر بها.

NameE-MailNachricht