JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

recent
عاجل
الصفحة الرئيسية

علا محمد كمال تكتب: «حين تتحول الحياة إلى محتوى» هل ما زلنا نعيش… أم نُوثّق فقط؟


علا محمد كمال تكتب: «حين تتحول الحياة إلى محتوى» هل ما زلنا نعيش… أم نُوثّق فقط؟



في وقتٍ ما، كانت اللحظات الجميلة تُعاش ببساطة، دون الحاجة إلى توثيق كل تفصيلة فيها. كنا نذهب إلى الأماكن لنستمتع بها، لا لنلتقط عشرات الصور التي تثبت أننا كنا هناك. كانت المشاعر تُعاش بصدق، والعلاقات تُبنى بعيدًا عن أعين الجميع. أما اليوم، فيبدو أن الكاميرا أصبحت حاضرة قبل الإنسان نفسه.


لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة لمشاركة بعض اللحظات، بل تحولت تدريجيًا إلى مساحة يُعاد فيها تشكيل الحياة لتصبح "صالحة للنشر". وكأن قيمة اللحظة لم تعد في حقيقتها، بل في عدد المشاهدات التي قد تحققها، أو التفاعل الذي يمكن أن تصنعه.

أصبحنا نعيش في زمن يتم فيه تحويل كل شيء إلى محتوى. الطعام قبل أن يؤكل، الرحلات قبل أن تُعاش، وحتى المشاعر قبل أن تُفهم. لم يعد السؤال: "هل نحن سعداء فعلًا؟" بل: "كيف تبدو هذه السعادة أمام الناس؟"


والأمر لم يعد يتوقف عند حدود مشاركة التفاصيل اليومية فقط، بل امتد إلى مناطق أكثر خصوصية وإنسانية. فهناك من يحول خلافاته العائلية إلى مادة للنقاش، ومن يوثق لحظات ضعفه وانكساره بحثًا عن التعاطف أو الانتشار، وآخرون أصبحت حياتهم بالكامل مشروعًا مفتوحًا أمام الجمهور.


الأطفال أيضًا لم يكونوا بعيدين عن هذه الدائرة. فالكثير منهم أصبح يظهر أمام الكاميرات منذ سنواته الأولى، ليس لأنه اختار ذلك، بل لأن هناك من قرر أن طفولته يمكن أن تتحول إلى وسيلة لجذب المشاهدات وتحقيق الأرباح. وكأن البراءة نفسها أصبحت جزءًا من اقتصاد المحتوى.


المشكلة الحقيقية ليست في التصوير أو التوثيق بحد ذاته، فالرغبة في الاحتفاظ بالذكريات أمر طبيعي، لكن الأزمة تبدأ عندما تصبح الكاميرا أهم من اللحظة نفسها. عندما ينشغل الإنسان بتصوير البحر أكثر من الاستمتاع به، أو بتوثيق اللقاء أكثر من عيشه، هنا يصبح السؤال ضروريًا: هل ما زلنا نعيش حياتنا فعلًا؟ أم أننا نكتفي بعرضها فقط؟


ربما لهذا السبب أصبح كثير من الناس يشعرون بالإرهاق رغم كل هذا الظهور المستمر. فالحياة التي تُعاش من أجل الجمهور تفقد شيئًا من حقيقتها تدريجيًا. ومع الوقت، يصبح الإنسان أسيرًا لفكرة الصورة المثالية، وردود الأفعال، والتفاعل الدائم.


لقد جعلتنا مواقع التواصل نعتقد أن كل لحظة لا يتم نشرها هي لحظة ناقصة، وأن ما لا يراه الناس لا يستحق الاهتمام. ومع تكرار هذا الشعور، تحولت الحياة من تجربة شخصية إلى عرض مستمر يحتاج دائمًا إلى جمهور.


ورغم كل ذلك، لا يمكن إنكار أن التكنولوجيا قربت المسافات وسمحت للناس بمشاركة تجاربهم وأفكارهم بطرق لم تكن ممكنة من قبل. لكن الفارق دائمًا يكمن في الحدود. في قدرتنا على التمييز بين ما يجب أن يبقى حقيقيًا بيننا وبين أنفسنا، وما يمكن مشاركته مع العالم.


في النهاية، ربما لا تكمن المشكلة في أننا نوثق كثيرًا، بل في أننا أصبحنا أحيانًا ننسى أن نعيش.

فأخطر ما فعلته السوشيال ميديا بنا، أنها لم تسرق وقتنا فقط، بل جعلتنا ننظر إلى حياتنا كأنها محتوى، لا كحياة.

 علا محمد كمال تكتب: «حين تتحول الحياة إلى محتوى» هل ما زلنا نعيش… أم نُوثّق فقط؟

alkhabralmasry7

تعليقات
    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة