بقلم: الباحث القانوني / محمد أحمد فوزي – المحامي
لم يعد الابتزاز الإلكتروني جريمة عابرة في الفضاء الرقمي، بل تحول إلى أحد أخطر التهديدات التي تطال الأفراد والأسر، مستغلًا التطور التكنولوجي وسهولة تداول البيانات والمحتوى الشخصي عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فمع الانتشار الواسع لاستخدام الإنترنت، برزت أنماط إجرامية حديثة اتخذت من الفضاء الرقمي مسرحًا لها، في مقدمتها جرائم الابتزاز الإلكتروني التي تمس الخصوصية والكرامة الإنسانية بصورة مباشرة.
وتعتمد هذه الجريمة في جوهرها على تهديد المجني عليه بنشر صور أو تسجيلات أو بيانات شخصية، غالبًا ما تم الحصول عليها بطرق غير مشروعة، مقابل الحصول على مقابل مادي أو تحقيق منفعة غير مشروعة، مستغلين الخوف من الفضيحة أو التشهير. وهو ما يجعل الضحية في كثير من الأحيان يتردد في الإبلاغ، ما يمنح الجاني مساحة أكبر للاستمرار في جريمته.
تدخل تشريعي لمواجهة الخطر :-
أمام هذا الواقع، لم يقف المشرّع المصري موقف المتفرج، بل تدخل بإصدار قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، والذي شكّل نقلة نوعية في السياسة الجنائية، حيث وضع إطارًا قانونيًا متكاملًا لمواجهة الجرائم الإلكترونية، وعلى رأسها الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة والابتزاز عبر الوسائل الرقمية.
وقد تبنى القانون مفهومًا واسعًا للجرائم المعلوماتية، شمل كل فعل غير مشروع يُرتكب باستخدام الحاسب الآلي أو شبكة الإنترنت أو وسائل تقنية المعلومات، ويترتب عليه المساس بالبيانات أو الأنظمة أو الحقوق الشخصية للأفراد.
متى يتحقق الابتزاز الإلكتروني؟
يتحقق الابتزاز الإلكتروني عندما يستخدم الجاني وسيلة إلكترونية، كمنصات التواصل الاجتماعي أو تطبيقات المراسلة أو البريد الإلكتروني، في توجيه تهديد للمجني عليه بنشر محتوى خاص، بقصد حمله على القيام بعمل أو الامتناع عنه، أو تحقيق منفعة غير مشروعة. وتقوم الجريمة على ركن مادي يتمثل في فعل التهديد، وركن معنوي قوامه القصد الجنائي، أي علم الجاني بعدم مشروعية فعله واتجاه إرادته لتحقيق غاية غير مشروعة.
ورغم أن التشريع لم يُفرد نصًا مستقلًا يحمل مسمى “الابتزاز الإلكتروني”، إلا أن القانون عالج هذه الجريمة من خلال المادتين (25) و(26) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، فضلًا عن تطبيق أحكام التهديد الواردة في قانون العقوبات، مع تشديد العقوبة في حالات معينة، كوقوع الجريمة على قاصر أو اقترانها بطلب مقابل مادي.
الدليل الرقمي.. كلمة الفصل
ومن أهم المستحدثات التي جاء بها القانون، إقراره بحجية الدليل الرقمي في الإثبات الجنائي، حيث أصبحت الرسائل والمحادثات الإلكترونية والصور والمقاطع المرئية أدلة قانونية معترف بها أمام جهات التحقيق والمحاكم، متى استوفت الضوابط الفنية. وقد ساعد ذلك على تجاوز صعوبات الإثبات التقليدي، ومكّن الجهات المختصة من تتبع الجناة وملاحقتهم.
الابتزاز الإلكتروني لا يقتصر على مجرد تهديد رقمي، بل يعتمد على استغلال الخوف من التشهير أو فقدان السمعة، ما يجعل الضحية في موقف ضعف شديد، ويزيد من فرص نجاح الجريمة. وقد استدعى هذا الواقع تدخل المشرّع المصري لوضع إطار قانوني شامل يحمي الأفراد والمجتمع الرقمي.
آثار تتجاوز القانون
ولا تتوقف خطورة الابتزاز الإلكتروني عند حد العقوبة، بل تمتد إلى آثار نفسية واجتماعية جسيمة، قد تصل إلى تدمير السمعة الاجتماعية، واضطراب الاستقرار الأسري، وإصابة الضحايا بحالات من القلق والاكتئاب، فضلًا عن فقدان الثقة في استخدام الوسائل الرقمية.
ومن ثم، فإن مواجهة هذه الجريمة لا تقتصر على الردع الجنائي، وإنما تتطلب نشر الوعي القانوني، وتشجيع الضحايا على الإبلاغ، والتأكيد على أن القانون كفل الحماية والسرية اللازمة لهم.
خاتمة
يبقى الابتزاز الإلكتروني أحد أخطر التحديات القانونية في العصر الرقمي، وقد خطا المشرّع المصري خطوة مهمة بإصدار قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، غير أن فاعلية هذا الإطار التشريعي تظل مرهونة بحسن التطبيق، ورفع مستوى الوعي المجتمعي، والتحديث المستمر للتشريعات، بما يحقق التوازن بين حماية الحقوق والحريات، ومكافحة الجريمة الرقمية.
